Uncategorized

من روائع البحتري

سَلامٌ عَلَيكُم لا وَفاءٌ وَلا عَهدُ * أَما لَكُمُ مِن هَجرِ أَحبابِكُم بُدُّ
أَأَحبابَنا قَد أَنجَزَ البَينُ وَعدَهُ * وَشيكًا وَلَم يُنجَز لَنا مِنكُمُ وَعدُ
أَأَطلالَ دارِ العامِرِيَّةِ بِاللِوى * سَقَت رَبعَكِ الأَنواءُ ما فَعَلَت هِندُ
أَدارَ اللِوى بَينَ الصَريمَةِ وَالحِمى * أَما لِلهَوى إِلّا رَسيسَ الجَوى قَصدُ
بِنَفسِيَ مَن عَذَّبتُ نَفسي بِحُبِّهِ * وَإِن لَم يَكُن مِنهُ وِصالٌ وَلا وُدُّ
حَبيبٌ مِنَ الأَحبابِ شَطَّت بِهِ النَوى * وَأَيُّ حَبيبٍ ما أَتى دونَهُ البُعدُ
إِذا جُزتَ صَحراءَ الغُوَيرِ مُغَرِّبًا * وَجازَتكَ بَطحاءَ السَواجيرِ يا سَعدُ
فَقُل لِبَني الضَحّاكِ مَهلًا فَإِنَّني * أَنَ الأُفعُوانُ الصِلُّ وَالضَيغَمُ الوَردُ
بَني واصِلٍ مَهلًا فَإِنَّ ابنَ أُختِكُمْ * لَهُ عَزَماتٌ هَزلُ آرائِها جِدُّ
مَتى هِجتُموهُ لا تَهيجوا سِوى الرَدى * وَإِن كانَ خِرقًا ما يُحَلُّ لَهُ عَقدُ
مَهيبًا كَنَصلِ السَيفِ لَو قُذِفَت بِهِ * ذُرى أَجَإٍ ظَلَّت وَأَعلامُهُ وَهدُ
يَوَدُّ رِجالٌ أَنَّني كُنتُ بَعضَ مَن * طَوَتهُ المَنايا لا أَروحُ وَلا أَغدو
وَلَولا احتِمالي ثِقلَ كُلِّ مُلِمَّةٍ * تَسوءُ الأَعادي لَم يَوَدّوا الَّذي وَدّوا
ذَريني وَإِيّاهُم فَحَسبي صَريمَتي * إِذا الحَربُ لَم يُقدَح لِمُخمِدِها زَندُ
وَلي صاحِبٌ عَضبُ المَضارِبِ صارِمٌ * طَويلُ النَجادِ ما يُفَلُّ لَهُ حَدُّ
وَباكِيَةٍ تَشكو الفِراقَ بِأَدمُعٍ * تُبادِرُها سَحًّا كَما انتَثَرَ العِقدُ
رَشادَكَ لا يَحزُنكَ بَينُ ابنِ هِمَّةٍ * يَتوقُ إِلى العَلياءِ لَيسَ لَهُ نَدُّ
فَمَن كانَ حُرًّا فَهوَ لِلعَزمِ وَالسُرى * وَلِلَّيلِ مِن أَفعالِهِ وَالكَرى عَبدُ
وَلَيلٍ كَأَنَّ الصُبحَ في أُخرَياتِهِ * حُشاشَةُ نَصلٍ ضَمَّ إِفرِندَهُ غِمدُ
تَسَربَلتُهُ وَالذِئبُ وَسنانُ هاجِعٌ * بِعَينِ ابنِ لَيلٍ ما لَهُ بِالكَرى عَهدُ
أُثيرَ القَطا الكُدرِيَّ عَن جَثَماتِهِ * وَتَألَفُني فيهِ الثَعالِبُ وَالرُبدُ
وَأَطلَسَ مِلءِ العَينِ يَحمِلُ زَورَهُ * وَأَضلاعَهُ مِن جانِبَيهِ شَوى نَهدُ
لَهُ ذَنَبٌ مِثلُ الرَشاءِ يَجُرُّهُ * وَمَتنٌ كَمَتنِ القَوسِ أَعوَجَ مُنأدُّ
طَواهُ الطَوى حَتّى استَمَرَّ مَريرُهُ * فَما فيهِ إِلّا العَظمُ وَالروحُ وَالجِلدُ
يُقَضقِضُ عُصلاً في أَسِرَّتِها الرَدى * كَقَضقَضَةِ المَقرورِ أَرعَدَهُ البَردُ
سَما لي وَبي مِن شِدَّةِ الجوعِ ما بِهِ * بِبَيداءَ لَم تُحسَس بِها عيشَةٌ رَغدُ
كِلانا بِها ذِئبٌ يُحَدِّثُ نَفسَهُ * بِصاحِبِهِ وَالجَدُّ يُتعِسُهُ الجَدُّ
عَوى ثُمَّ أَقعى وَارتَجَزتُ فَهِجتُهُ * فَأَقبَلَ مِثلَ البَرقِ يَتبَعُهُ الرَعدُ
فَأَوجَرتُهُ خَرقاءَ تَحسِبُ ريشَها * عَلى كَوكَبٍ يَنقَضُّ وَاللَيلُ مُسوَدُ
فَما ازدادَ إِلّا جُرأَةً وَصَرامَةً * وَأَيقَنتُ أَنَّ الأَمرَ مِنهُ هُوَ الجِدُّ
فَأَتبَعتُها أُخرى فَأَضلَلتُ نَصلَها * بِحَيثُ يَكونُ اللُبُّ وَالرُعبُ وَالحِقدُ
فَخَرَّ وَقَد أَورَدتُهُ مَنهَلَ الرَدى * عَلى ظَمَإٍ لَو أَنَّهُ عَذُبَ الوِردُ
وَقُمتُ فَجَمَّعتُ الحَصى وَاشتَوَيتُهُ * عَلَيهِ وَلِلرَمضاءِ مِن تَحتِهِ وَقدُ
وَنِلتُ خَسيسًا مِنهُ ثُمَّ تَرَكتُهُ * وَأَقلَعتُ عَنهُ وَهوَ مُنعَفِرٌ فَردُ
لَقَد حَكَمَت فينا اللَيالي بِجورِها * وَحُكمُ بَناتِ الدَهرِ لَيسَ لَهُ قَصدُ
أَفي العَدلِ أَن يَشقى الكَريمُ بِجورِها * وَيَأخُذَ مِنها صَفوَها القُعدُدُ الوَغدُ
ذَرينِيَ مِن ضَربِ القِداحِ عَلى السُرى * فَعَزمِيَ لا يَثنيهِ نَحسٌ وَلا سَعدُ
سَأَحمِلُ نَفسي عِندَ كُلِّ مُلِمَّةٍ * عَلى مِثلِ حَدِّ السَيفِ أَخلَصَهُ الهِندُ
لِيَعلَمَ مَن هابَ السُرى خَشيَةَ الرَدى * بِأَنَّ قَضاءَ اللَهِ لَيسَ لَهُ رَدُّ
فَإِن عِشتَ مَحمودًا فَمِثلي بَغى الغِنى * لِيَكسِبَ مالًا أَو يُنَث لَهُ حَمدُ
وَإِن مِتُّ لَم أَظفَر فَلَيسَ عَلى امرِئٍ * غَدا طالِبًا إِلّا تَقَصّيهِ وَالجَهدُ

Standard